الإثنين,19 نوفمبر, 2018

الشباب والعزوف عن العمل الجمعوي التطوعي

    رغم المهارات الكثيرة التي يكسبها المشاركون في العمل الجمعوي التطوعي وأهميتها في إبراز الجوانب القيادية والإدارية في الشخصية، والمساهمة في بناء الثقة بالنفس والجرأة وحسن التصرف، بعيدا عن الأعمال الروتينية، فضلا عن مساهمتها في تنمية المهارات الذاتية ومهارات التواصل مع الآخرين، وإدارة الوقت والذات وبناء الشخصية والقدرة على اتخاذ القرار، إضافة إلى الدور الريادي الذي يلعبه هذا العمل في تنمية وتطوير المجتمع محليا ووطنيا.
إلا أن في الآونة الأخيرة لوحظ أن مختلف جمعيات ومنظمات العمل التطوعي في المغرب تشكو نقصا في المتطوعين وعزوفا شديدا عن المشاركة في الأنشطة، وانخفاضا في عدد المنتسبين – خاصة الشباب الصاعد- بل أحيانا وتساقط بعض من يحسب من “النشطاء الجمعويين” وغيرها من السلبيات التي تؤدى إلى تعطيل وتراجع في كثير من أنشطة هذه الجمعيات والمنظمات مما يحول دون تفعيل مشاركتها في التنمية المنشودة للمجتمع.
   هذا الوضع يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذه الظاهرة السلبية، أملا في طرح حلول ناجعة للحد من هذا النزيف، حيث تبين من خلال التجربة المتواضعة في المجال، إضافة إلى البحث في أحوال مجموعة من الجمعيات في الجنوب المغربي ( زاكورة وطاطا)؛ الذي يعد مثالا يحتذى به في هذا المجال، أن عزوف الشباب الصاعد عن عن الأعمال التطوعية يعود لأسباب عدة أهمها:
عدم الوعي بأهمية العمل الجمعوي التطوعي في تنمية الشخصية والمجتمع على حد سواء، ويرجع هذا إلى عدم انتشار “ثقافة التطوع” بالمعنى المعرفي، لدى أفراد المجتمع والتقصير ينسب للمؤسسات المختصة نفسها، كما تتحمل المؤسسات الحكومية كالمدارس وغيرها قسطا من المسؤولية دون إغفال الشخص نفسه الذي قد يكون عديم القابلية.
ضعف التشاركية والديمقراطية: حيث نجد في أغلب الجمعيات والمؤسسات التطوعية عامة، لسبب أو لآخر أن مجموعة صغيرة – إن لم نقل فرد أو فردين – هي التي تتحكم في اتخاذ القرار في غياب تام للتشاور والتداول الديمقراطي بين الأعضاء وفق آليات عمل مؤسسي يضمن مشاركة الجميع في اتخاذ القرار وبالتالي في العمل، إلا أن الجدير بالذكر أن القاعدة الأخيرة لا تصلح بالضرورة، لكون بعض الأشخاص لا يتقنون إلا الكلام في بعد تام عن العمل. هذا يحتم على مختلف الجمعيات العمل الجدي للتخفيف من هذا المشكل الحقيقي رغم المصاعب التي تواجهها.
غياب الحوافز التشجيعية وكثرة الانشغالات الشخصية: الذي يعد من أهم أسباب تراجع العمل التطوعي وذلك ناجم عن زيادة مشاكل الحياة، في غياب تام لحوافز مادية ومعنوية للأشخاص الذين يقضون أوقاتهم في هذا العمل التطوعي، الذي أصبح كثير منهم يفضلون تمضيته في أعمال تدر عليهم مبالغ من المال تساعدهم على حمل أعباء الحياة، هذا في غياب لتكريم ذوي المبادرات الناجحة، أكثر من ذلك نجد أن بعض الجمعيات تتعرض لضغوطات من طرف أشخاص وربما جهات لسبب أو لآخر، إلا أن الإيمان القوي بمبادئ العمل الجمعوي التطوعي من شأنه أن يزيح كل عائق يواجهه، تحقيقا لفوائد هذا العمل وإن كانت عامة وليست آنية، بدليل أن ما حققه عدد كبير من الدواوير في المنطقة من نمو وفك للعزلة كان بفضل العمل التطوعي لآبائنا وأجدادنا – رحمهم الله أحياء وأمواتا- الذين يستجيبون دون تردد لأي نداء من “البراح” الذي يدعو الجميع للمشاركة في عمل معين بدون مقابل مادي، دون إغفال طبعا الحافز الشرعي طمعا في الأجر والثواب الذي وعد به الله سبحانه وتعالى كما في قوله جل جلاله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). (الآية 97، سورة النحل).
      لهذه الأسباب وغيرها تفشت ظاهرة العزوف عن العمل الجمعوي التطوعي، وما يؤكد ذلك نزوح شريحة لايستهان بها من الشباب نحو الخنوع والانانية والادمان “بطقطقات” الهاتف المحمول ليل نهار في غياب تام – أحيانا- عن همومه وهموم حاضر ومستقبل مجتمعه الذي يدين له بالكثير، لذلك فإن إتاحة الفرصة أمام مساهمات الشباب وخلق قيادات جديدة، وعدم احتكار العمل التطوعي على فئة أو مجموعة معينة، وتكريم المثقفين الشباب ووضع برنامج امتيازات وحوافز لهم، وكذلك تشجيع العمل التطوعي في صفوف الشباب مهما كان حجمه أو شكله أو نوعه، وتطوير القوانين والتشريعات المنظمة للعمل التطوعي بما يكفل إيجاد فرص حقيقية لمشاركة الشباب في اتخاذ القرارات المتصلة بالعمل التطوعي، تساهم إلى حد بعيد في وضع العمل التطوعي في مساره الصحيح، وزيادة الإقبال عليه.
                                              بقلم: الحسين ايت محمد

أكتب رأيك حول هذا المقال