الإثنين,19 نوفمبر, 2018

الطفل بذرة المجتمع

تعاني مجتمعاتنا الحديثة من أفات ومشاكل وظواهر غريبة عليه، وفي خضم البحث عن الأسباب تصاحبها اتهامات للأقران والمدرسة ووسائل الإعلام… دون تحميل الأسرة القدر الكبير من المسؤولية الذي يجب عليها أن تتحمله، فالطفل الصغير أمانة كبيرة بين يدي أبيه وأمه أي بين يدي مؤسسة الاسرة … وعقله الصغير أرض بكر لم تزرع ، وورقة بيضاء معدة لاستقبال كل ما تمليه الاسرة سلبا كان أو ايجابيا، مصداقا لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( قَلْبُ الحَدَثِ كالأرضِ الخَالِيَة، مَا أُلقِيَ فِيهَا مِنْ شَيءٍ قَبلَتْهُ )
فبعض الناس يعتقدون أن رسالتهم في الحياة هي إنجاب الأولاد، ومنتهى الفهم والمسؤولية في تربيتهم هو أن يوفر لهم الطعام والشراب، والملبس، والمسكن، وأحيانـًا يرهق نفسه في سبيل تزويدهم بالكماليات. وغاية ما يصل إليه في تربيتهم هو أن يجتهد في تعليمهم حتى يحصلوا على درجات عالية تؤهلهم لتحسين أوضاعهم المادية والأدبية في المجتمع. وبذلك يكون قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة حسب فهمه.
فمطالب الطعام والشراب .. مطالب يشترك فيها الإنسان مع غيره من الكائنات، وتقزيم الأسرة لرسالة التربية المنوطة لها بهذا الأسلوب الشائع وسيلة من وسائل الدمار والخراب للمجتمع وللأسرة نفسها، الانسان جسم وعقل وروح، وتربية الجسم تسير جنبـًا إلى جنب مع تربية العقل والروح في توازن تام، إذا غلب أحدهم على الآخرين حدث الخلل والاضطراب في النفس البشرية .
ما فائدة أن ألقن ابني العلم، وأسعى في الحصول له على مدرسين متخصصين ليكون من المتقدمين في نفس الوقت الذي هو في الأخلاق صفر من كل فضيلة وأدب وتهذيب؟ إن العلم في هذه الحـالة سيكون وسيلة تدمير وهـدم وشقاء كما أثبتت التجارب، قال قائل:
والعلم إن لم تكتنفه شمائل تعليه كان مطية الإخفاق
لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخـــــلاق
أول المتضررين من هذه التربية غير المتوازنة هم المربيان وأعني هنا الوالدين، والدليل ما نسمع من أحداث مأساوية في مجتمعنا، بين متنكر لخيرهما فيرميهما في دور العجزة، وضارب لهما بل وقاتلهما…
فتربية الطفل في المنظور الإسلامي تعني إنماء الغرائز المعنوية، والاهتمام باعتدال الغرائز المادية، فسَعادة الطفل تتحقَّق في التعامل الصحيح مع نفسه وليس مع جسده، ويجدر بالوالدين امتلاك الوعي اتِّجاه هذه الحقيقة التي جعلها الإسلام من الواجبات عليهما لما فيها من أثرٍ كبير على المجتمع، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، ولنا في التاريخ أمثلة كثيرة؛ إذ أن أكثر العظماء الذين قضوا حياتهم في خدمة الناس، كانوا نتاج تربية صحيحة تلقوها في صغرهم، فأثَّرت على صناعة أنفسهم وأصبحوا عظماء بها ونفعوا أنفسهم كما نفعوا الانسانية.
وبالمقابل نجد أنَّ أكثر من يعيث في الأرض فساداً أولئك الذين وجدوا في صغرهم أيادي جاهلة تحيط بهم، وبمراجعة بسيطة في مزبلة التاريخ تلحظ طفولة المجرمين والطغاة نساءً ورجالاً قاسية جافَّة، بسبب سوء التعامل مع النفس البريئة.
هكذا فصلاح المجتمع في قوة وصلاح مؤسسة الأسرة، وصلاح الأسرة في تماسكها وتربية أبنائها تربية متوازنة قائمة على مبادئ وأسس قوية، لذلك صح أن نقول أن الطفل بذرة بقدر تعهدها ورعايتها يصلح أو يفسد المجتمع.

أكتب رأيك حول هذا المقال