الإثنين,10 ديسمبر, 2018

المقاطعة: من سلوك حضاري إلى الشرعية الدستورية

بقلم عبدالرحيم عنبي*

«يكفل الدستور المساواة في استفادة المواطنات والمواطنين من الشروط التي تمكنهم من التمتع بحقوقهم في الصحة، والحماية الاجتماعية، والسكن اللائق، والشغل والولوج إلى الماء، وبيئة سليمة، والتعليم، والتكوين المهني، والتربية البدنية والفنية (الفصل 31).»

إن الأوضاع العامة التي يمر منها المجتمع المغربي، حيث الغلاء وعدم بلورة الدولة لسياسات اجتماعية تلبي طموحات الشباب ذكورا وإناثا وحاجيات الأسر وكل الفئات الاجتماعية وجمود الأجور، وتراجع فئة المثقفين أو انسحابها من المشهد السياسي وانهيار المنظومة التعليمية، كلها لم تعد تسمح بانتعاش حركة فكرية قادرة على لعب دور كبير في تطوير الحركة الإبداعية والابتكار على جميع المستويات في مختلف الميادين، سواء التعليم أو الطب أو غيرها من المجالات، التي سوف تخدم الإنسان وتنمي فيه روح العقل والإبداع.

أقول حركة فكرية، تغذي الحقل السياسي والنقابي وتساهم في الدفاع عن كرامة الإنسان، بل صارت المؤسسات التعليمية والجامعة تنتج أناسا يلهثون وراء المناصب والمال والتملق من أجل الحصول على الترقيات، وهو ما جعل النقابات محلات للبيع الشراء، ضاربة مهمتها النبيلة والتي هي الدفاع عن المهنيين والحرفيين والموظفين والمواطن.

لقد أدى هذا الغياب لحركة فكرية قوية، إلى بروز فئات تكتب من أجل المال، تكتب من أجل طمس الحقيقة وبالتالي لم يعد أمام المواطن المقهور سوى الاحتجاج عن طريق الفضاء الرقمي، الذي صار يتيح مساحة أوسع في وقت ضاق فيه الوطن.

لم تعد الجامعات تعمل على تخريج النخب المثقفة، التي من شأنها أن تساهم في تأطير الشباب وتناضل من أجل الوطن، لا تقابل المواقف بالدرهم أو الترقية، ولكن ما يهمها هو مصلحة الوطن، غاب أمثال المهدي المنجرة، الذي كانت تنبؤاته تزعج كل الناهبين، ورحل محمد كسوس، الذي نجد في تحليلاته أطروحات لم تجد من يعمل على إخراجها إلى الوجود، وصرنا أمام أشباه مثقفين ما يهمهم هو أخذ الصور وركن السيارة الفارهة بمرأب الجامعة وممارسة العنف الرمزي على الطلاب وعلى الزملاء.

إن هروب الشباب اليوم إلى العالم الرقمي وابتداع طرق جديدة للاحتجاج، بقدر ما هو  سلوك حضاري وممارسة مشروعة، بقدر ما هو مؤشر خطير على فقدان الأحزاب السياسية والنقابات لشرعيتها ولأهميتها في هذه البلاد، مؤشر على أنه لا توجد نخبة مثقفة تشتغل بهموم المجتمع.

إن حال المجتمع المغربي اليوم يبكي كل من له ذرة واحدة تشتغل بعقله، حيث صارت السياسة مجالا للاغتناء الفاحش، وصارت مؤسسات الدولة في عطلة تامة، تقدم خدمتها لفئات قليلة، مما أدخل كل أفراد المجتمع في إحباط تام.

 إن ما يميز المجتمع المغربي اليوم غياب المرافق الحيوية وفرص العيش الأفضل، التي لم توفرها الدولة وغياب توزيع عادل للثروة وتحقيق عدالة اجتماعية، كلها هذا جعل الثروة بيدي أسر بعينها وهي قليلة، تنهب المال العام وتنهب الثروة وهي من يهدد استقرار البلاد.

إن مقاطعة المغاربة للبعض البضائع، يعبر عن روح مغربية حرة، حيث مارسها المغاربة أيام الاستعمار، فكثيرا ما كان المغاربة، يرفعون شعار “تِفاندي” أي ممنوع شراء نوع معين من البضائع أو التسوق، في وقت كانت روح الوطنية تسري في دم المغاربة، ووعيهم بنهب المحتل لخيرات البلاد.

إننا اليوم أمام استمرار هذه الثقافة، حيث تكالبت على البلاد شركات، تجردت من الوطنية، كل همها هو ملأ جيوب أقلية وأرصدة في أبناك دولية، ساهم في نشر وعي شبابي قوي بنهب الخيرات وعدم تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق، والغلاء الفاحش، وعدم تحمل الوكالات المسؤولة عن توزيع الماء الشروب في ضمان جودة الماء المقدم للمغاربة وعدم قدرة الأحزاب السياسية على ترجمة نصوص دستور المملكة لسنة 2011 الذي ينصص في الفصل 31 على  المساواة في استفادة المواطنات والمواطنين من الشروط التي تمكنهم من التمتع بحقوقهم في الصحة، والحماية الاجتماعية، والسكن اللائق، والشغل والولوج إلى الماء، وبيئة سليمة، والتعليم، والتكوين المهني، والتربية البدنية والفنية.

ففي الوقت الذي نجد دستور المملكة لسنة 2011 ينصص على الولوج لعدة خدمات ومنها الماء، نجد هذه المادة مملوكة من طرف فئات قليلة، حققت من خلالها تراكم ثروات في ضرب صارخ لنصوص دستور المملكة وفي تواطؤ تام مع “النخب السياسية” ومع مؤسسات الدولة التي تسمح باستغلال مادة ينصص الدستور على كون المغاربة سواسية في الولوج إليها.

إن الشركات الكبرى بالمغرب متجردة تماما من روح المواطنة، كونها لا تساهم في مشاريع اجتماعية كبرى. كما أنها لا تقدم خدمات ذات جودة و بأتمنة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة ونحن، من جهة أولى؛ أمام تعاقب حكومات لم تعمل على تحريك الأجور/ ومن جهة ثانية، أمام فشل النقابات في الدفاع عن الطبقات الاجتماعية والمهنية، بل كل الأجهزة النقابية تواطأت بشكل واضح مع ناهبي المال العام وثروات البلاد.

إن مقاطعة المغاربة لعض البضائع، لتعد سلوكا حضاريا وترجمة للفصل 31 من دستور المملكة، الذي عجزت الحكومة على تنزيل نصوصه خاصة تلك التي تنصص على تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق الطبقية. كما تعد مؤشرا، على استمرار العلاقات الإنتاجية القديمة، القائمة على بنية “إخماسن” والذي يترجم قولنا هذا، كون عائلات قليلة في المغرب تتحكم في الثروة، في حين أن باقي المغاربة بمثابة “إخماسن” نعمل من أجل تسديد القروض والماء والكهرباء. وفئة أخرى فقط من أجل شراء السكر والشاي والزيت.

إن نظام الإنتاج المبني على بنية “إخماسن” لازال مستمرا وهو ما يترجمه كلام السيد الوزير “المداويخ” وكذلك تهديدات الحكومة بالمتابعة، ضاربة عرض الحائط بكل فصول دستور 2011 الذي أسس لتعاقد جديد بيم الشعب والمؤسسة الملكية، تعاقد ينبني على احترام المواطن المغربي وضمان حقه في الولوج لكل ثروات البلاد وتحقيق عدالة اجتماعية وردم هوة الفوارق الطبقية.

لقد ساهم نهب الكبار للثروة في توسيع دائرة الهامش والشرائح المعوزة والمهمشة والباعة المتجولين والتشرد والتسول وغيرها من الفئات الاجتماعية، وهو ما يعد مؤشرا على استمرار نظام الإنتاج القايدي، الذي كان سائدا في مغرب ما قبل الدولة الوطنية، نظام كان سائدا في كل ربوع المغرب في الحوز وفي سوس وفي الغرب والريف، وهو نظام اجتماعي سياسي يقوم على علاقات الإنتاج. 

إن المقاطعة تشكل ضرب من النضال وأيضا وعيا بمساهمة الشباب في التنمية ولعل محاربة الريع الاقتصادي والنهب لتعد من أسمى أشكال المشاركة في التنمية، ولعمري هذا ما يؤسس له الفصل 33 من دستور 2011، بحيث ينصص على تكريس مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، واندماجهم في الحياة النشيطة والجمعوية. 

أخيرا، أعتقد أن أسمى رسالة ينبغي أن يوصلها الباحث في مغرب اليوم؛ هي إعلان الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، لأن استمرار نهب المال العام ونهب الثروات وعدم ردم هوة الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية، سيجلب الكثير من المتاعب للمجتمع و للدولة، ينبغي كذلك،  أن نقول كلمة حق تتجلى في نهاية الحزب السياسي ونهاية الأجهزة النقابية، لأنهم أبانوا بالملموس عن تواطئهم على النهب وقهر المواطن.

*باحث في سوسيولوجيا الأسرة، وأستاذ بجامعة ابن زهر.

أكتب رأيك حول هذا المقال